ابن الجوزي

248

كتاب ذم الهوى

فالنفس ترتاح نحو الظلم جاهلة * والقلب مني سليم ما يواتيها واللّه لو قيل لي تأتي بفاحشة * وأنّ عقباك دنيانا وما فيها لقلت لا والذي أخشى عقوبته * ولا بأضعافه ما كنت آتيها لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت * بنت الفؤاد وأبدينا تمنّيها قال : فأسكتّ ، وقلت : لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل . وقلت للخادم : لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله عليّ . ثم لم أعرف له خبرا بعد ذلك . فبينا أنا أطوف بالكعبة إذا أنا بفتى قد أقبل نحوي وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني ، وقد صار مثل العود ، فلما قضيت طوافي خرجت واتّبعني فقال لي : يا هذا أتعرفني ؟ قلت : ما أنكرك لسوء . قال : أنا صاحب الكتابين . قال : فما تمالكت أن قبّلت رأسه وبين عينيه ، وقلت : بأبي أنت وأمي ، واللّه لقد شغلت عليّ قلبي وأطلت غمّي بشدة كتمانك لأمرك ، فهل لك فيما سألت وطلبت ؟ . قال : بارك اللّه لك وأقرّ عينيك ، إنما أتيتك مستحلّا من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة ، والهوى داع إلى كلّ بلاء ، وأستغفر اللّه . فقلت : يا حبيبي أحبّ أن تصير معي إلى منزلي فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك ، قال : ليس إلى ذلك سبيل ، فاعذر وأجب إلى ما سألتك . فقلت : يا حبيبي غفر اللّه لك ذنبك ، وقد وهبتها لك ومعها مئة دينار تعيش بها . ولك في كل سنة كذا وكذا . قال : بارك اللّه لك فيها ، لولا عهود عاهدت اللّه بها ، وأشياء وكّدتها على نفسي ، لم يكن في الدنيا شيء هو أحبّ إليّ من هذا الذي تعرضه عليّ ، ولكن ليس إليه سبيل ، والدنيا فانية منقطعة .